قصة قصيرة: ثِقلُ كلمة

#تحدي الكتابة ٦

‏متأملةً ضيّ البدر الذي يتسلل عبر نافذة غرفتي المفتوحة، ألقيت بروحي المنهكة على الأريكة، ونسمة الهواء العليلة الباردة تداعب خصلات شعري وتعانق قطرات الدمع المنهمر على خداي.
‏على يساري أنظر بطرف عيني إلى زجاجة عطرِهِ المتهشّمة على الأرض بعد أن صفعتُها بكل قوة كي أتلف آخر ما تبقّى منه.. كتبي وأوراقي قد تناثرت بكل مكان، إطار صورتِهِ على الأرض ملقى ومنكسر، وحدها عقارب الساعة على الحائط تحسب الثواني ولا تهتم باللحظات.. الساعة الثانية فجراً بعد أن هدأت فورة غضبي، وتلاشت عاصفة الفتاة الرقيقة.. رائحة عطره انتشرت واستقرت بكل مكان، وكأنها تحاول تخليد ذكراه في أشيائي وممتلكاتي.
لم يعد له مكان! أقولها وأنا أعتصر قهراً، على أشواقٍ بهتت وقلبٍ تفتّت وحبّ وديعٍ ضاع سدى. أسكنته عالمي وسلمته قلبي مفعمًا بالحياة فما كان منه إلا أن سرق راحتي ودمّر قلبي، وكأنه ذلك الثقب الأسود الذي يبتلع كل بهجة ويسرق كل بسمة، ويعصف بكل شيء دون رحمة ولا شفقة.. ضعتُ أنا بسببه فلم أعد أعرف من أنا وكيف السبيل إلى ذاتي القديمة.. أصبح الذكرى المؤلمة الخالدة والبصمة السوداء في تاريخ حياتي..


‏قطع حبل أفكاري رنين هاتفي، كانت نغمة موسيقية هادئة تتهادى على أوتار الكمان، يومًا ما عزفها خاصةً بي وأهداها إليّ في ليلة رأس السنة وأسماها “لحن الحب” واليوم وللمرة الأولى قلبي لم يرِفّ لها أبدًا، فمسحت دموعي بيديّ والتقطت الهاتف وبعد أن قرأتُ اسمه على الشاشة، أغلقت الهاتف ورميته بعيداً، لكنه عاود الاتصال مرة أخرى.. فقمت من مكاني لآخذ الهاتف وأصمت اتصاله من جديد، ولكن دافع الغضب ودافع الفضول جعلني أجيب عليه لأسمع ما يريد قوله دون أن أنبس بحرفٍ واحد، فإن في غضبي وانهمار عيناي صمتٌ يفوق كل كلام..
‏وحين قربت الهاتف من أذني سمعته يتحدث قائلًا:
“أمل.. أمل هل تسمعينني؟
‏أعلم أنك تسمعين حديثي وأعلم أن قلبك موجوع، وأن الألم والقهر يمزقك وأن لحظة واحدة وكلمة واحدة قد أنستك كل الليالي الماضية الجميلة،، وحقّ لك ذلك.. لن أقول آسف فأسفي لن ينفع ولن أعتذر فاعتذاري غير مقبول، منذ عشر ساعات مضت والندم يمزقني والحسرة تقتلني، ولا شيء قادرٌ أن يعيدني إلى تلك الساعة المشؤومة التي غضبتُ فيها وفقدتُ بها عقلي، ‏تلك الساعة هي أسوأ ما عشته في حياتي وكأني من بعدها قد عدت للصفر، عدت للضياع والتيه، وإن الخذلان يختطفني من كل ناحية وصوب.. أيام عمري التي قضيتها حالمًا بالنظرة من عينيكِ وليالي الفرح التي قضيتها بالقرب منك والحديث معك، كل تلك الأعوام هل يعقل أن تنتهي في يوم مشؤوم، في ساعة جنون وفي لحظة غضب؟! هل يعقل أن تنتهي بكلمة واحدة؟!
ماذا لو مزقت لساني أشلاءً لتعودي إلى قلبي؟ فليس لي به حاجة وأنتِ بعيدة عني..
‏حبيبتي، أقولها لك رغمًا عني ورغم كل كلمة غادرة حروفها الطاء والألف واللام والقاف، نعم أنت حبيبتي وزوجتي ونور فؤادي، أنتِ سكني وأُنْسَ بيتي وكم أحلم أن تكوني يومًا أمًا لأولادي وأن أحتضنهم وأنت بقربي.. فهل يا تُرى يشفع لي حبي القديم وحبي الحاضر وحبي الدائم لك؟
‏أرجوك يا أمل أجيبي، فقلبي يمزقه الألم وتقتله الحسرة وليس فيه من النبض إلا نبضُ أملٍ من روحك الجميلة، أرجوك يكفي أنني خذلتك فلا تخذليني وأنتِ صاحبة القلب الواسع والحضن الدافئ، أنتِ أهل للعفو والصفح، وإنك النور الذي أبصر به كل أملٍ في هذه الحياة.. ‏أجيبي يا أمل أرجوك، فقلبي ما عاد يقوى هجرك وبعدك؟”

‏حينها صَمَتَ وأمتد صمته فعرفتُ أنه أنهى حديثه وأنه يترقب مني الرد، فإذا بلساني يتحرك رغمًا عني ناطقًا بنبرة هادئةٍ ومتسائلًا: وهل سيعود بنا الزمان يا سعد كما كنا؟
ثم ارتشفت رشفةً من كوب الماء الموجود على المنضدة بجانبي، وعدتُ لأكمل جوابي: يا سعد لقد قسوتَ عليّ وأضرمتَ بقلبي نيران لن تخمد أبداً.. كلامك لم يعد يثمر بداخلي، لأني كلما فكرت أن أسامحك لا أتذكر إلا صورتك أمامي في تلك الساعة، ذلك الشخص لم يكن أنت.. لم تكن سعد الذي أحببته، وأمّنته على قلبي، كنت شخصاً آخر تحول في لحظات.. في تلك الساعة كنت قريباً مني، أقرب ما يكون القلب من القلب، ولكنك صرخت بحدة ونفثت سطوة غضبك عليّ، عيناك أيضًا بدت غريبة وأنت تنظر بها إليّ بكل قسوة، وما عساي أقول في لسانك الذي نطق بكلماتٍ شعرت لحظتها أنها سهاماً تخترق صدري وتستقر في قلبي..
هنا مفترق الطرق يا سعد، بقدر كل لحظة جميلة عشتها معك وكل ضحكة ضحكناها وكل سعادة تشاركناها معًا، وبقدر كل مرة نطقتَ باسمي وهتف فؤادي مجيباً لك قبل لساني، وبقدر أحلامنا وآمالنا وحبنا وجميع ما تمنيناه معاً، إلا أن ذلك كله أصبح هباءً منثوراً، أنت هدمته يا سعد فصار حطاماً.. وقبل أن أنهي آخر حديثٍ معك، أود أن أؤكد لك أن كرامتي فوق كل شيء، أنت كسرتني وكسري لا يُجبر..

حاول سعد حينها أن يقاطعني قائلا: “لحظة.. لحظة أرجوك يا أمل!”
ولكني لم أقدر أن أتحمل أكثر فأغلقت الهاتف، لأني لا أريده أن يتحدث أكثر، ففي أسلوبه سحر يتملكني به، تبهرني شدو عباراته ولطف نداءاته، قلبي سيرأف به لا محالة؛ إنه يعرف كيف يقتحم أسوار حزني ويعيد البسمة إلى قلبي، ما زلت أحبه أعترف، وفيّ شيء ينبض إليه، ولكنّي أقبض على مشاعري بحزم كي لا أسامحه. ومنذ فارقته وأنا أشعر ببرودة شديدة تسكن كل جسدي إلا قلبي فيه نار تلتهب..
‏سحبتُ الغطاء الذي كان يتدلى على طرف الأريكة، كنت أرتجف وأتصبب عرقاً، استلقيت متعبة، ووضعت يدي تحت خدي بينما يدي الأخرى أمسح بها على بطني أتحسس المضغة الصغيرة وسط أحشائي، ثم أغمضت عيناي لعلي ألتقي به في رؤيا جميلة..

وبعد ساعتين أو أكثر قليلًا إذا بي أسمع هاتفي يرّن من جديد فقمت لأستلمه مستاءةً من صاحب الاتصال في هذا الوقت المتأخر من الليل، وحين نظرت إلى شاشة الهاتف إذا به سعدٌ يتصل!! فانقبض قلبي بشدّةٍ وكاد ينخلع من مكانه، ترددت في الإجابة ولكني أجبت في آخر الأمر، فسمعت من يتحدث قائلاً: 

“ألو، السلام عليكم” ،، لم يكن صوت سعد!!
أهلا، وعليكم السلام.
– “هل أنتِ زوجة سعد؟”
نعم أنا هي، من المتصل؟
– “أعتذر عن الاتصال بك في وقت متأخر جدًا، ولكن الأمر طارئ، معك الدكتور محمد من مستشفى الملك عبدالعزيز بقسم الطوارئ، وأود إبلاغك بأن سعد متعب قليلًا وهو عندنا الآن منوّم بالطوارئ، ويتطلب أن يأتي أحد من عائلته ليرافق معه.. فهل بإمكانك أن تأتي وإلا رجائي أن تتصلي بشخص آخر ليأتي في أقرب وقت ممكن وشكرًا لك”، ثم أغلقَ الهاتف وأنا بالكاد أتنفس..

فقمت سريعًا وتجهزت في دقائق معدودة ثم توجهت إلى المستشفى والخوف يعصف بي والأفكار تطير بي مع كل ريح، وحين وصلتُ المستشفى سألت عن مكانه وتوجهت مباشرة إلى غرفته وإذا بالباب مغلق، فتحركت نحو النافذة لأطمئن عليه فإذا به ممدد على السرير مغلق العينين ساكن الجسد، وجهاز الصعق الكهربائي لنبضات القلب حول سريره وأنبوب التنفس الصناعي ممتد إلى فمه وموصول برئتيه، حينها زاد فزعي وسالت دموعي واشتد خفقان قلبي وقدماي لم تحملني فكدت أن أسقط لولا اقتراب الممرضة مني واستنادي على كتفها حتى قادتني إلى الغرفة المجاورة..
وما إن جلست على الكرسي إذا بالطبيب يطرق الباب ثم يدخل، فسألته مباشرة: دكتور طمّني عن حالة زوجي؟

فأجاب:
“الحمد لله علي ما كتب وقدّر المولى
فإن له في كل قضاءٍ حكمة ،،، سعد مغمى عليه الآن إلا أن حالته مستقرة نوعًا ما وهو تحت العناية المشددة، وأود أن أسألك بعض الأسئلة الصحية المتعلقة به إن سمحتِ..”
فقلت له: بالتأكيد اسأل. 
فسألني قائلا: “هل لديه أي مشاكل صحية مزمنة أو حديثة؟ أو أنه يعاني من أي اضطرابات نفسية أو ضغوط عائلية أو وظيفية مؤخرًا؟ أو هل هناك أي أمر آخر تعرفينه ويتعلق بصحته؟”

فأجبته مباشرةً بـ: لا يا دكتور، هو بخير ولا يعاني من أي شيء إطلاقًا، اليوم في الصباح ولأول مرة اشتكى لي من صداع خفيف في رأسه، وبعد أن تناولنا الإفطار سألته عنه فقال لي أن الألم تحسّن ولم يشكُ من أي شيء بعد ذلك! يا دكتور أخبرني ما الذي حدث له؟

فأجاب: “قبل قرابة الساعة والنصف شاهده أحد الأشخاص يمشي في الشارع ويحلق بعينيه نحو هاتفه وفجأة ومن دون مقدمات فقد وعيه وسقط على الأرض، وحين أسعفه وأتى به إلينا وجدنا عليه شيئا من الرضوض الخفيفة، وقمنا بعمل بعض الفحوصات والأشعة وطلبنا بعض التحاليل اللازمة ولا نزال ننتظر النتائج أن تظهر بالكامل، والتقييم المبدئي لحالته يقول لنا اشتباه جلطة في الدماغ.. أكثري من الدعاء له فحالته حتى اللحظة حرجة.. أستأذنك الآن “

قال ذلك ثم التفتَ مغادرًا نحو الباب فهممتُ أن أقوم لألحقه أريد منه أن يفتح لي باب غرفة سعد حتى أذهب إليه فأحتضنه وأقبّله ولكني شعرت وكأن جسدي بالكامل مشلول ولا أقدر أن أتحرك، شعرت وكأن شيئا يحاول خنقي ويشد من قبضته عليّ.. وفجأة تغيّر وعيي واستيقظت عائدةً للحقيقة، ففتحتُ عينيّ فإذا بي وسط غرفتي فتأكدت بأنّي نجوتُ من كابوس مرعب..

راحت يدي في سرعةٍ تقلب عن هاتفي ونظرت إلى الساعة فيه فإذا بها قرابة الثانية عشر ظهرًا، فاستويت جالسة وحمدت الله أنها لحظات حلم عابر وأنها لم تكن حقيقة، وعدت لأفتح هاتفي وأبحث عن اسم حبيبي وزوجي، ثم بعثت إليه برسالة كتبت فيها: “حبيبي سعد ، لا زلت أذكر أنك قبل ثلاثة أيام وعدتني بدعوة خاصة على وجبة غداء في المطعم الإيطالي القريب من مقر عملك والذي تم افتتاحه منذ أسبوعين، إني أتضور جوعًا الآن، سأتجهز وأنا بانتظارك ،، أحبك ” ..

تنبيه/ النص أدبي والأحداث من نسج الخيال ولا تتصل بالواقع أبدًا ..

شكر خاص للمدوّنة/ أ. سارة عبدالله

فكرة واحدة على ”قصة قصيرة: ثِقلُ كلمة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s