قصة قصيرة: أقل اشتياقًا أيّها القلب

#تحدي_الكتابة  5

 

كانت تجلس في المكان الذي اعتاد أن يجلس فيه غارقة بين كومة أعمالها المتراكمة، وكانت خيوط أشعة الشمس تتسلل من النافذة نحو رفوف المكتبة، وتنعكس على خدها الأيمن فيظهر من بعيد لامعًا كأنه الشمس مشرقة، وإذا به يأتي من بعيد على مهلٍ ليقف فوق رأسها ويقول لها: طاب صباحك يا جميلة.

إنها تعرف ذلك الصوت وتميّز صاحبه جيدًا، ولم تشعر قط بأن للأصوات عبير إلا حينما يتعلق الأمر به، تشعر بصوته كالنسيم العبق يمرُّ ويخترق صدرها ليروي أعماقها، ثم ترتد روحها وتجد نفسها مبتسمة لشذى صوته.

فإذا بها تترك ما بين يديها وترفع رأسها نحوه وتتأمله للحظات ثم تجيبه: أهلا بك، أهلا بمن عاد إلى الديار بعد فقدٍ وطول انقطاع.

فيرد عليها: أهلا بكِ، هل من الممكن أن أسمعك هذه القصيدة، أحتاج لمن ينصت إليّ وأنا أنشدها؟

فركزت نظرها نحو عينيه في نظرة ممتلئة بالاعتزاز ومحدثة نفسها، ها هو قد عاد، لقد أتى به شوقه، وهزمه حبّه فكسّر عنفوان كبرياءه..  وبعد صمتٍ قصير قررت أن تنصت إليه أولًا ثم تعود لتعاتبهُ في آخر الأمر، وهو أمامها واقف يتمتم في نفسه “أقل اشتياقاً أيها القلب، أرجوك”، وحين هزّت رأسها بدأ ينشد:

“إنّي رحلتُ إلى عينيكِ أطلبها
إمّا المماتُ وإمّا العودُ منتصراً

كلُّ القصائدِ من عينيكِ أنسجها
ما كنتُ دونهما في الشعرِ مقتدراً

صارت عيونُكِ ألحاناً لأغنيتي
والقلبُ صار لألحانِ الهوى وتراً”..

انتهى وكانت عيناها تحدث عينيه في صمت محيّر، ثم ابتسمتْ للحظات، ثم بدأت تضحك وهو أمامها مذهول لا يدري ما الذي أصابها وما الذي يضحكها، وإذا بها تضع يدها أمام فمها محاولةً إسكات ضحكاتها، فإذا به يصرخ في وجهها ويسألها ما بك؟ وما الذي يضحكك؟

فتجيبه: أتذكر الأيام الخالية، أين أنت حين أتيتُ إليكَ فكنتَ منشغلا عني بكتابك وقلمك وكنت تستثقلني بين يديك، أتذكر حين أتيتك في هذا المكان قبل أيام تحملني أشواقي وتقودني مشاعر قلبي، فكنت القاسي وكنت المكابر، وها هي الأيام مرّت وتلك الليالي انقضت، وأشرقت شمس اليوم لتعود أنتَ إليّ منكسر الكبرياء يقودك شوقك واحتياج قلبك.
هل عرفت الآن من الأقوى ومن المنتصر فينا؟
هل عرفت ما معنى أن تتكبر في الحب؟
هل شعرت بالغربة وأنت هناك في المنفى لا صديق ولا قريب يلامس قلبكَ كما كنتُ ألامسه أنا بالأمس، لا تسأل كيف عرفتِ ذلك كله، فأنا آتي إلى هنا كل يوم لأشعر بذات الشعور الذي يراودك وآسى على أني قد سلّمتُ قلبي لك يومًا، وأنا التي يحملني كبريائي بعيدًا عنكَ وأنت الذي ينأَى بك العنفوان بعيدًا عني، وكلانا نتجاهل ذلك الحب العظيم وذلك الشوق المتقد بين قلبينا والذي لا يستحقه أي أحد منا..

أصابه الذعر مما نطق لسانها وما سمعته أذناه، وللحظة ظن أنها مجنونة أو أن دماغه قد اختل فصار يترجم غير الذي يصل إلى مسامعه، فعاد يسألها: ما الذي كنت تقولينه، وهل أنت تعنين ما قلتِ أم ماذا؟

فعادت لتجيبه: نعم هو ما سمعته، لا أحد منا يستحق ذلك الحب العظيم وذلك الشوق المتقد بين قلبينا..

فصمت لبرهةٍ يتنفس فيها الصعداء ثم عاد ليسألها، وما الذي تريدينه الآن؟

فترد عليه: لا شيء، يكفينا ما تجرعناه من ألمِ الانتظار في الأيام الماضية وما عانيناه من أرقٍ في الليالي الخاليات، عد من حيث أتيت وأبحث عن قلب آخر يأويك، فقلبي اليوم متعب ما عادت به استطاعة لحملك أو الشوق إلى حديثك.

وبعد صمت طويل كان يتأمل فيه لمعة عينيها ويقاوم ذلك الألم العظيم الذي يعتلج وسط قلبه، يرد عليها قائلًا: أتيتك اليوم لأحيا بك، فأنا المنفي في البعد عنك، وأنا الميت دونك. أنتِ وطني أنتِ سكني أنتِ حبي…. ثم صمت فجأةً لثوانٍ معدودة وأكمل قائلًا: ولكن ذلك كله في الماضي وقبل هذه اللحظة، فأما الآن ومن هذه اللحظة فلكِ ما تطلبين، فقد عدت اليوم لا أبحث عن شيء سوى رضاكِ وإني وجدتُ رضاكِ في البعد عنكِ.

وقبل أن أغادر، إن في القلب لك حديثٌ طويل فاسمعيه مني جيدًا:
تقولين أين أنا، أنا هنا أمامك ولكن أنا ما عدت أنا، ما عدت أحمل ذلك القلب الذي يتلهف للقائك أو الشوق إلى حديثك، أنا ما عدت أنا لأن كبرياءك أراد أن يحطمني وأنا الذي لم أعرف الهزيمة يومًا، فهل يكون الحب أول هزائمي! حاشا وأبدًا لم يكن ولن يكون الحب ذلك..

لملمي شتاتك واقطفي ميّت أوراقك وأشواقك واستري انكسار عنفوانك وغادري، فالذي بيني وبينك ما عاد حبًا، لا ولن يكون حبًا، فالحب تحيا به القلوب وتستنير بتوهجه الأرواح، الحب نستند عليه في شدائد الأيام فنجده العون الكافي والركن الثابت.
الحب قوة ربانيّة خلقها العليم ووهبها لبني البشر ليعمروا بها قلوبهم وتحيا بها أرواحهم، وليقوموا من بعد ذلك ساعين وباذلين جهودهم في عمارة الأرض وإحياءها، لتكون الأرض المسكن الآمن والملجأ الكافي لهم ولذرياتهم، ذلك هو الحب فأما الذي كان بيني وبينك فما هو بشيء من ذلك أبدًا. فلملمي شتاتك والحقي بكبريائك وعودي من حيث أتيتِ، ولا تظني أبداً أني بالحب أنكسر، فالحب عندي حياةٌ أستمد منها القوة والعزم والإرادة.

 

تنبيه/ النص أدبي والأحداث من نسج الخيال ولا تتصل بالواقع أبدًا ..

شكر خاص لمن شارك بالبداية .. 

9 أفكار على ”قصة قصيرة: أقل اشتياقًا أيّها القلب

  1. البعض يأتي متأخّراً و يُريد أن يجدنا كَـ يومِ الرحيل .. ألا يعلم بأن لكلّ شيء تاريخ إنتهاء .. حتى المشاعر !! ..
    راق لي ما نسجته من إبداع .. سلمت أناملكَ ..
    دمتَ بخير …

    Liked by 2 people

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s