نعتٌ قاتل

#تحدي_الكتابة  ١   

 

تحدثني إحدى الزميلات عن قصة حدثت معها، فتقول:

في العيادة أتت إليّ فتاة في ريعان شبابها وعنفوان جمالها تسألني: دكتورة ما أسهل طريقة أنهي بها حياتي البائسة هذه؟ لا شيء يستحق ما أنا فيه من عناء وألم.

فاقتربتُ منها وبدأتُ أربّت على كتفيها وقلت لها: لا بأس يا حبيبتي، حدثيني ما الذي يحدث؟

فأجابتني: “يا دكتورة أمي هي السبب، وأبي كذلك، بل جميع أفراد أسرتي، كلهم يكرهونني ولا يعتبروني بنتًا لهم، أختي التي تصغرني وأخواني الكبار كلهم لا يحبوني.

فاقتربت منها أكثر وحضنتها بين ذراعي فبدأت تجهش في البكاء، فتركتها على حالها تبكي على صدري حتى ابتلت ملابسي من دموعها، ثم رَفَعَت رأسها لتقول لي: ما أحنّ حضنك وما أرقّ قلبك! هل تعلمين يا دكتورة متى آخر مرة احتضنني فيها أحد؟ لن تصدقي إن أخبرتك أنني منذ طفولتي لا أذكر أن أحدًا لفّ ذراعاه حولي وأسندني إلى صدره، حتى أمي لم تفعلها.

منذ صغري وأنا مجتهدة وهادئة ولكني كنت خجولة وأخاف من الغرباء كثيرًا وكان ذلك يصيب أمي بالجنون ولا أعلم لماذا، ومنذ ذلك الحين بدأت تقسو عليّ وتوبخني بأشد الكلمات وأقبح الألفاظ وتدعوني بسيّءِ الألقاب، كانت تظن أنني أعاندها وأنا يعلم الله ليس لي حيلة في الأمر، فالله خلقني هادئة وخجولة وليس لي في العصيان وفلتات اللسان مما كنت أجده عند البعض من الفتيات حولي.

كبرت وظننت أن الأمور ستتحسن ولكن هيهات أن تلين تلك الصخرة في صدر أمي، كان قلبها قاسي وكانت تضيق بي ذرعًا حين لا أقلدها في جبروتها وتسلّطها، فإن علمت أني سامحت من أخطأ بحقي نادتني بالضعيفة وإن أجبتها بأني فعلت ذلك بُغْيتَ رضى ربي وخالقي حقّرتني وأعادت عليّ لقبها الذي وصمتني به منذ نعومة أظافري فتقول لي: “أنتِ يهودية”..

لِمَ تعاملني بهذه الصورة؟ ولِمَ تناديني أنا فحسب بهذا اللقب؟ ألست ابنتها وقد نشأتُ على يدها؟ وأما أبي ذلك الأب الذي لا أراه إلا مرة أو مرتين في الشهر يعمل ليله ونهاره لاهثًا خلف المال ناسيًا أن مال الدنيا لا يغنيني عن أمان صدره وقبلاته والحديث إليه.

توقفتْ الفتاة عن الحديثِ وأكملتْ ما بين جوانحها بكاءً على صدري، فعدتُ أربّت عليها وأهدّي من روعها حتى هدأتْ وسكن بكاؤها.. ثم عدتُ لأسألها: “وهل هناك شيء آخر تودين إخباري به؟”  فأجابتني: “بالأمس كان بيني وبين أختي التي تصغرني بعشر سنوات، تلك الطفلة التي كنت أرعاها في مهدها وألاعبها في طفولتها ونشأتها وألبي لها ما نقص من حاجاتها، مشادة بسيطة هي المعتدية فيها فقالت لي بلا تلطّف: “يبقى اليهودي يهودي”، وهنا فقدت الأمل والخير في هذه الحياة.

بعدها صمتت الفتاة وعدتُ لأسألها كيف حال أهلك وكيف حالك بينهم، فأجابت والدموع تسيل على خديها: “هم بخير ونعمة وأنا الغريبة بينهم، وإن صح القول فأنا اليهودية بين ظهرانيهم”.

هنا ما عدت احتمل المزيد من سماع هذه المعاناة، ودار بخاطري ألمٌ وتساؤلٌ، أن كيفَ لأمٍّ وأبٍ أن يجدوا الراحة والهناء وبين أيديهم فلذة كبدهم تصارع ويلات إهمالهم وكلماتهم الجارحة وتفرقتهم الظالمة؟

 

ختامًا..

إلى كل أم وإلى كل أب، أبناؤكم أمانة في أعناقكم ستسألون عنهم يوم لا ينفع مال ولا جاه، تفقدوا حاجات صدورهم، اسمعوا حديث نفوسهم وأنين قلوبهم، كونوا بقربهم وقت مسراتهم وأحزانهم، وتذكروا أنهم في شبابهم أشدّ حاجة إلى عطفكم وأشدّ عطشًا إلى كلماتكم الحانية ودعواتكم الدائمة.

 

 

‏تنبيه/ القصة نسيجٌ من الخيال وبعضٌ من الواقع ولا يقصد بها أحد بذاته..

شكر خاص لصاحبة الفكرة/ أ. نجد المري ‪@Njd3Almarri

 

8 أفكار على ”نعتٌ قاتل

  1. من بين كل فرد في العائله سبحان الله ، تجد ذاك الحب المشروط بين أفرادها و في تفاوت بين الأبناء ، إلا من رحم ربي ..
    قصه محزنه جعلتني أنظر لعيني إبني حفظه الله ذو السبعة اعوام بكل براءه وهو يلعب ، أقتربت منه لأقبله و أحتضنه كثيراً وليس لأنني لا أفعل ذلك دئماً ، إنما إحساس النعمه التي بين يديك ولا تشعر بها يستحق أن تقف عندها كثيراً و تحمد الله كثيراً .. مدونه رائعه جداً صديقي حمزه ، سلمت يداك .. فنحن بشر ننسى انفسنا وسط زحام الحياه بعيداً عن تلك المشاعر الجميله .. دعاء اردده في كل صلواتي : ” اللهم ما امسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فـلك الحمد ولك الشكر ”
    فضل هذا الدعاء و كأنك شكرت الله على كل ما أعطاك اياه في كل يومك وحتى تصبح وهكذا ..
    أسئل الله لكم الأجر و العافيه ..

    أتمنى من كل أب وكل أم أن تصل اليهم رسالتك صديقي حمزه فنعمه وجود أطفالنا و ضحكاتهم لا تساويها أي شيء في هذه الدنيا ..
    اسعد الله قلبوبكم و حفظكم من كل شر ..
    أعتذر لإطالتي ..
    دمت بخير ..

    Liked by 2 people

  2. تدوينة رائعة يا دكتور حمزة ،، فعلا الأبناء أمانة في أعناق الوالدين ،، وما كتبته الأخت Moyat اختصر كل حديث ،،
    ’’ ما أحنّ حضنك وما أرقّ قلبك! ‘‘ هذه الجملة أثرت بي كثيراً ،،

    دمت بخير وسعادة ،،،،

    Liked by 1 person

  3. هنيئاً لك البوح والشعور الذي يلامس القلب والمؤثر للمقصر والمؤكد لمن يؤدي دورهـ بالشكل الصحيح 💕🌸

    حقاً نحن في عالم مليء ومكتض ومزدحم ..
    وهناك احتياجات غامضة للصغير والكبير ..

    المتعة في هذا العالم مراعات تلك الاحتياجات
    والمرونة معها بكل شفافية 💕💕

    شكراً لاختيارك الرائع وكلماتك الراقية 💕💕

    Liked by 1 person

  4. الله يا حمزة قصة ررائعة ❣فعلاً الكلمات الجارحة سهام مسمومة تنغرز في القلب سمها ينتشر بالجسد على المدى الطويل حتى تأت💔 تلك اللحظة تضعف ثم تنكسر خصوصاً عندما تكون ممن هم قريبين من قلبك🖤

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s