قصة قصيرة: هل قلبك يعرف الحب؟

كان جالسًا على كرسيّه، ناسيًا ارتشاف قهوته الساخنة، ويحمل بين يديه كتابًا شاخص البصر إليه ولكنه في الحقيقة شارد الذهن عنه، غير منتبهٍ لحركة الناس من حوله، إذا بها تراه فتقترب منه ثم تسحب المقعد الآخر المقابل له وتقطع عليه سيل أفكاره بسؤالها “هل تمانع؟”.

رفع رأسه نحوها، وحملق في عينيها وصمت للحظاتٍ يفكّر محتارًا بمَ يجيبها وأي الكلمات ترتقي للمقام فينطق بها لسانه!

لم تنتظر أكثر وبادرت هي بالجلوس، وكأنها قرأت في ملامح وجهه وفي نظرات عينيه وابتسامة شفتيه علامات القبول والرضا والسعادة.

جلست أمامه ومن عينيها تنسكب الأسئلة وتنساب، وإذا بها تبادر للمرة الأخرى فتسأله “ما الكتاب الذي تحتضنه بين يديك؟”

يحرك بصره نحو الكتاب ليقرأ العنوان، وكأنه قد نسيه! بل وكأن الكتاب لأول مرة يقع بين يديه!

قرأ العنوان سريعًا ثم عاد بنظره نحوها، وكأنه طفلٌ مفجوعٌ أُخِذَ من حضن أمه، فأجاب: “هذا كتاب سلوة التائهين في الحب”، قالها والبسمة مشرقةً على وجهه.

ضحكت حينها ضحكةً خجولة ثم قالت: “وهل قلبك يعرف الحب حتى يتوه فيه؟”

سمع سؤالها فما استطاع إلا أن يومئ برأسه نحو السماء ويشهق طويلًا مغمضًا عينيه علّ بعضًا من لهيب الشوق أن يبرد في صدره، وبعد لحظاتٍ عاد يتأمل عينيها الفاتنة ويجيبها: ” يا سيدتي، إنّ الحب وقودٌ لحياتي، فبهِ عشتُ يومي وأمسي وبه سأعيش غدي” ، ثم صمتَ للحظاتٍ مطرقًا يفكّر وعاد ليسألها: “وما الحب الذي تعرفين؟ “

لقد كان متعمّدًا بسؤاله أن يفاجئها لتزداد عيناها اتساعًا فتزداد جمالًا وفتنةً، فأجابته في دهشةٍ: “تسألني أنا؟ وما عساني أن أقول! الحب هو الحب، ومن لا يعرف الحب؟”

همهم مبتسمًا للحظاتٍ ثم أجابها: “الحب يا سيدتي حياةٌ نحياها كل لحظة، ففي ابتسامة طفلٍ يمر من أمامي أجد الحب، وفي ضحكة أمٍّ وأبٍّ أجد الحب، وفي عراك الأخوان والأصدقاء أجد الحب .. فأيّهم كنتِ تقصدين؟”

صمتت محتارةً تفكر ثم قالت: “لم أقصد أي واحد منهم!  ألم أخبرك أن قلبك لا يعرف الحب؟!”  قالت ذلك وهي تحاول إخفاء ضحكتها..

تأمّل ثغرها الضاحك ووجنتيها الحمراوين، ثم قال: “يا سيدتي الآن عرفتُ أي الحب تقصدين! ولكن سامحيني فقلبي قد طاش به الحب فما عاد إحساسه بالحب كما هو الحال عندك وعند كل قلب يحب على هذه البسيطة! يا سيدتي، إن قلبي لم يعد يقوى على الحب الذي تعرفينه، إن قلبي ما عاد يبحث عن أحبك واشتقت إليك أو متّ صبابة في انتظارك!…”

قاطَعَته منفعلةً ومتسائلةً: “عن ماذا يبحث قلبك إذًا؟ وهل لك قلبٌ يحنّ؟”

وفي كل مرة تقاطعه فيسمع نغمة صوتها، يزداد قلبه طربًا ويزداد صدره انشراحًا، فيجيبها بنبرته الهادئة وابتسامته المشرقة التي يخفي وراءها عظيم حبّه: “بلى والله يا سيدتي، إنّ قلبي ما فتئ يحنّ لكِ كل صباحٍ ومساءٍ، وإنّي لأجد السلوان في أشواقي حين أنثرها ثم أبعثها إليكِ فيمتلئ قلبي بهجةً وحبور، وما أجَلّ حظّي حين تكون الأقدار كريمة فتجمعني بكِ وألمح نظرةً من عينيكِ، وإنها لسعادة الدهر لا تساويها سعادة”. فصمت مبتسمّا وقلبه يخفق بشدة وكأنه وسط صدره يتزلزل..

ثم عادت لتسأله: “عجيبٌ أمرك، أحقًا هذا هو حالك مع الحب؟”

كانت الحيرة جليّة على وجهها، فأجابها: “حين ألتقيك المرة القادمة سأخبرك أكثر عن حالي، وأما الآن فأستبيحك العذر! يتحتّم عليّ أن أغادر، ولقد تجلّت اليوم سعادتي بك وأثلجت صدري بلقائك والحديث معك، فشكرًا لكِ”.

9 أفكار على ”قصة قصيرة: هل قلبك يعرف الحب؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s