قصة قصيرة: همس الحب (الجزء الثاني)

كتاب وظرف:

مرّت الساعات وفي صباح اليوم التالي وبينما أمين المكتبة يدفع بابها مستفتحًا يومه إذا به يجد ذلك الكتاب الملقى على الأرض أمامه!

أخذ الكتاب وقرأ عنوانه فإذا به عنوان جديد ليس من كتب المكتبة التي يعرفها .. فبدأ يقلب صفحاته متفحصًا محتواه وإذا بذلك الظرف ينسلّ من بين الصفحات هاويًا نحو الأرض ،، فانحنى ليتناول الظرف وإذا به يقرأ على غلافه ” إليكَ أنت أيها الشاب رسالتي هذه المرة” ،، فأعاد الظرف إلى مكانه ثم احتفظ بالكتاب في مكان خاص إلى حين أن يأتي ذلك الشاب..

ومرّت الساعات وأمين المكتبة منشغل ما بين قراءة كتابٍ ومساعدة الباحثين من مرتادي المكتبة ، ناسيًا بذلك أمر الكتاب والظرف، وقد قاربت ساعات الدوام على الانتهاء دون أن يأتي ذلك الشاب إلى المكتبة..

وبينما يستعد الأمين للمغادرة إذا بتلك الفتاة تدفع باب المكتبة وتسير متوجهة ًإليه ، وحين وصلت بادرته بالتحية ثم قالت:” سيّدي ، كنت قد تركت صباح اليوم كتابًا تحت باب المكتبة ، يا ترى هل اطلعت عليه وتفحصته؟ “

فأجابها مبتسمًا: ” أهلا بك يا ابنتي ، بالطبع ولقد احتفظت به ولكن الشاب لم يأت إلى المكتبة هذا اليوم وقد نسيت أن أتصل به فأخبره بأمر الكتاب ،،  لذلك …. ” وقطع كلامه صوت باب المكتبة وهو يُدفع وخلفه ذلك الشاب ،  وحين رآه توجه على فوره نحو مكتبه ، وبينما هو عائد كان يتأمل منظر الشاب والفتاة وهما واقفان إلى جانب بعضهما البعض دون أن يهمس أيّ منهما بكلمة ، وكأن القلوب إذ اقتربت من بعضها قد كَفَتِ الألسن عن الخطاب ..

وحين وصل إليهما مد بيده نحو الشاب ليسلّمه الكتاب ولكن الفتاة كانت أسرع في مدّ يدها محاولةً اختطاف الكتاب فتفشل في التقاطه فيتهاوى ساقطًا وينسل الظرف من بين صفحاته ليستقر على الأرض ،، ولكن الشاب هذه المرة كان أقرب وأسرع منها في التقاط الظرف والكتاب !

وقفت الفتاة في صمت للحظات متأملةً الكتاب والظرف في يدي الشاب وهو محكم قبضته عليهما ولا سبيل لانتزاعهما ، فالتفتت متوجهةً نحو الباب بعد أن فقدت الأمل وغادرت بخطوات متسارعة وهو واقف في مكانه مشدوه لا يدري ما الأمر!

وبعد أن غادرت الفتاة سمع الشاب من أمين المكتبة قصة الكتاب والظرف، ثم عاد إلى منزله محتفظًا بهما دون أن يتوقف للحظة واحد عن التفكير في الفتاة وما حدث منها في المكتبة!

 وصل لمنزله ثم توجه مباشرة نحو مكتبته الخاصة حيث يأنس وحيث المكان الذي يقضي فيه جلّ وقته..

وبعد أن جلس على مكتبه لدقائق كان فيها مكتفيًا بالنظر إلى الظرف وتأمل تلك العبارة المكتوبة عليه ،، أخرج الورقة فقبلّها ثم بدأ يقرأ ما كُتِب فيها:  “السلام عليكَ يا من كشفت ورقةً كنت قد أخفيت فيها سرّا دفينًا وليس على وجه الأرض من أحد يعرفه سواي ،، أما الآن فأنت أيضًا تعرفه!

لست أعلم أهو حظي المعدم أم أنه نصيبي الأجمل أن تقع تلك الورقة بين يديك ،، فتلتقطها وتقرأ ما فيها بعد أن كتبتُ أحرفها بدم قلبي ونسمات روحي.. 

صحيح أنني قد ضقت ضرعًا حين فقدتها ولكن ليتك تعلم مقدار الراحة التي غمرتني وعِظَم السعادة التي أحاطتني حين التقيت بك وحين علمت بأن أحرفي كانت أسيرتك..

لا أظن أنني بحاجة إلى أن أسألك حفظها ورعايتها خوف أن تطالها أعين المتطفلين أو تصل إليها أيدي العابثين ، واعلم أن روحي مختلطة بها وقلبي بين أسطرها قد سرت بها الأقدار نحوك فإن شئت لها حفظًا وإعزازًا فهي بقربك وبين يديك وإلّا فدعها تعش بلا قيدٍ وفي سلام ..”

ومرت ليلته تلك لا يكلّ من قراءة أحرفها ولا يمل النظر فيما خطت يدها حتى حفظ ما كتبت عن ظهر قلب!

 

أن نلتقي:

وفي صباح اليوم التالي استيقظ الشاب من نومه وفي قلبه لذّة حبّ وعظيم شوقٍ لم يعرفها من قبل ، فتجّهز وغادر منزله وكلّه أمل أن يراها وقلبه يلهج بالدعوات أن يلتقي بها صدفةً لا يحسب لها جهدًا ..

وبينما هو يسير إلى المكتبة في مهمةٍ يريد إتمامها وعقله مجهد بها قد أرّقه التفكير فيها ،، إذا بذلك الاتصال المفاجئ من أحد أصدقاءه المقربين يطلب منه أن يلتقي به عند الساعة التاسعة صباحًا في المقهى القريب من المكتبة..

وصل إلى المكتبة وبدأ العمل على إتمام مهمته حتى انتهى منها قرابة الساعة 8:55 ص  ، وقبل مغادرته مرّ على أمين المكتبة على عجل ٍ يسأله: ” سيّدي هل أجد عندك عنوان الفتاة التي التقيتها بالأمس ؟ ” ..

فأجابه : ” اقترب يا بني واجلس ، أود الحديث معك قليلًا ” ..

جلس الشاب مستوفزًا خشيت أن يفوته موعد صاحبه ومحتارًا يفكر فيما يريده أمين المكتبة!

بدأ أمين المكتبة حديثه قائلا:” يا بني أصدقني القول ، أتحبها ؟ ”

تفاجأ الشاب من السؤال فصمت للحظات ثم أجاب:” يا سيدي إنني قد شربتُ كأسي الأول حين وقع في يدي منذ زمن كتابًا عليه اسمها وبعض رسمها فأحببتها بلا اختيار ، من ذلك اليوم والكؤوس تتوالى عليّ حتى عشقت فكرها وحرفها ، وحين التقيت بها كنت أسير همسها وهائم لحظها..” 

ابتسم أمين المكتبة ثم تحدث يقول: ” يا بني ،،  لم أرَ في حياتي صورةً صافيةً وبديعةً في الجمال كالتي رأيتها بالأمس حين رأيتك واقفًا إلى جانبها ، وكلاكما متمسك بصمته مختبئًا خلف مشاعره المكشوفة!

يا بني .. كثيرًا ما نخطئ نحن البشر حين نعود إلى عقولنا  فنحتكم إليها في كل أمر نحتار فيه ،، وإن الله إذ منحنا عقلًا لنفكر به قد وهبنا قلبًا لنعقل ونهتدي به ..

يا بني .. إن عقولنا بالكاد تتجاوز في تفكيرها ما تدركه ، ولكن قلوبنا حين تشعر فهي لا تشعر بشيء سوى الحقيقة.. 

ألم ترَ الأم والأب كيف يسترشدان بقلبيهما في رعاية فلذات أكبادهم ،، فترى الأم تقوم من مكانها قلقةً لتتفقد طفلها البعيد عن عينيها فتتفاجأ بذلك الخطر المحدق به لولا فضل الله وتلك الهبة المستشعرة التي كثيرًا ما نتجاهل نداءها وأنينها في سبيل الانصياع لذلك العقل المفكر!

يا بني .. إن تاهت بك الأيام ولم يرشدك عقلك فاتبع قلبك وما يشعر ولك في ذلك خير و اطمئنان وسعادة” ،، ثم أخرج ورقة من جيبه فكتب عليها عنوان الفتاة  وسلّمها للشاب وقال له :” لا تنس وصيتي لك يا بني ” .. فشكره الشاب ثم قام وغادر متوجهًا إلى المقهى ..

 

وحدك الحقيقة 

وبعد دقائق من المشي السريع وصل إلى المقهى وهو يلاحق أنفاسه فالتقى بصديقه الذي كان في انتظاره هناك ،، وبينما هما يتحدثان سويًا إذا به فجأة يلمح تلك الفتاة تدخل المقهى حاملة بيدها حقيبة وباقة ورد أحمر ،، وتوجهت نحو الطاولة المقابلة لهما لتجلس عليها دون أن تنتبه لوجوده خلفها..

فاستمر الشاب لدقائق يحدث صاحبه وهو لا يدري ما الذي يتحدثان فيه ، فعقله وقلبه قد فارقاه إلى الطاولة الأخرى ، ولم يستطع أن يقاوم أكثر ، فقام من مكانه معتذرًا لصاحبه وتوجه نحوها وحين وصل إليها حيّاها مبتسمًا والبهجة تطوقه من كل جهةٍ ، وهي متفاجئةً قد احمرّت وجنتاها وتلعثم لسانها وهي تجيب على تحيّته ، فلم يُرِدْ لها مزيدًا من الحرج فأخرج من جيبه ذلك الظرف وناولها إياه مبتسمًا ثم غادر آخذًا معه باقة الورد ..

تناولت الظرف منبهرةً وإذا برائحة عطر زكيةً تنبعث منه قد أنعشت روحها وزادت من نبضات قلبها .. فأخرجت الورقة من داخل الظرف وبدأت تقرأ فيها: “إليكِ يا من فقدت سرك الدفين ، حقًا لست أعلم أهو الحظ أم هي الأقدار التي أنستك أحرفًا بتلك الصورة البديعة بين دفتي كتاب فسلبتِ بها قلبي وعقلي ، فإن كنت تظنين أن أحرفك أسيرتي فاعلمي أن عذوبتها قد غلبتني فكنت أسيرها .. ولقد قرأتُ حروف الحب وكتبتُ رسائل العشق وأحاديث الغرام ،، ولكن حين التقيت بك آمنت بأن جميعها أوهام وأنك وحدك الحقيقة”.. 

تمّت ..🌹💫

4 أفكار على ”قصة قصيرة: همس الحب (الجزء الثاني)

  1. مجددًا، تُشبه النمط الذي يتبعه المنفلوطي في كتاباته.
    ” يا سيدي إنني قد شربتُ كأسي الأول حين وقع في يدي منذ زمن كتابًا عليه اسمها وبعض رسمها فأحببتها بلا اختيار، من ذلك اليوم والكؤوس تتوالى عليّ حتى عشقت فكرها وحرفها ”
    ،، رائع!

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s