قصة قصيرة: همس الحب (الجزء الأول)

البداية:

وبينما هو جالس وسط المكتبة و يقلب صفحات ذلك الكتاب بدهشة وتمعن ، في وقت متأخر قارب فيه انتهاء دوام أمين المكتبة ، إذا بتلك الفتاة تدفع باب المكتبة بقوة ثم تدخل فتلتفت يمنة ويسرة وكأنها تبحث عن أحد ما ، ولكن لا أحد أمامها سوا ذلك الشاب المنهمك في قراءة ما بين يديه !

توجهت نحوه وحينما اقتربت منه شعر بوجودها ولكن سطرًا في تلك الصفحة كان أقوى منها على احتوائه وجذب انتباهِه..

وقَفَتْ بجانبه وألقت تحيتها إلا أنه لم يعرها أي انتباه وواصل قراءته دون أن يرفع بصره نحوها !

لا تزال واقفة بجانبه وبدأت عليها علامات الضجر ،، أعادت التحية مرة أخرى وبصوت أعلى قليلًا من المرة الأولى ..

حينها كان قد انتهى من آخر كلمة في السطر ، فرفع رأسه نحوها وأجاب على تحيتها قائلًا : ” مرحبًا سيدتي ، ألا ترين انشغالي ؟! هلّا أوجزتِ وأخبرتني ماذا تريدين مني ؟ ”

بدت عليها علامات التعجب ، ولكنها كانت مستعجلةً هي الأخرى فلم تعر ذلك الأمر أي اهتمام ، وأجابته نبرةٍ واثقة وموجزة: “لا أريد منك شيء ،، فقط كنت أبحث عن أمين المكتبة هل تعلم أين سأجده هذه الساعة؟ ” ..

تعجب الشاب من سؤالها ، إنها المرة الأولى التي يسأله فيها أحد عن أمين المكتبة وفي ساعة متأخرةٍ كهذه!

أخبرها بمكانه حيث أنه يجلس في الزاوية القريبة منه خلف الستارة ، حيث عزلته وقراءته !

شكرته باقتضابٍ ثم توجهت مسرعةً إلى تلك الزاوية، وبينما هي تخطو متوجهةً إذا بأمين المكتبة يظهر لها من خلف الستارة مبتسمًا وعلى وجهه لمحة من تعب الشيخوخة .. فحياها بهدوء واحترامٍ فائق، ثم قال لها: ” أهلًا سيدتي بماذا أستطيع أن أخدمك هذا اليوم؟ ”

فأجابته: “إنني استعرت كتابًا قبل أيام وأرجعته بالأمس ولكن للتو تذكرت أنني قد نسيت فيه رسالةً هامة قد كتبتها وأخفيتها فيه ،، أين سأجد ذلك الكتاب الآن؟ ”

فأجابها بصوته المتعب والمتقطع : ” أظن أنني عرفتك ، أنتِ فلانة أليس كذلك؟ ”

فأجابته : “بلى” أنا هي ..

فأجابها:” حقيقةً لست أعلم أين ستجدينه الآن ولكن بالتأكيد إن لم يكن الآن في يد ذلك الشاب الجالس أمامنا ، فإنه سيكون على علمٍ بمكانه.. فهو لا يفوّت إطلاقًا أي كتاب تقومين باستعارته من المكتبة!”..

سمعت الفتاة ما قاله أمين المكتبة لها ، فتعجبت وزاد في نفسها الفضول أن تعرف ما السر وراء ذلك الشاب!

 

المرة الأولى:

شكرت الفتاة أمين المكتبة ثم التفتت ومشت بخطواتها المترددة نحو الشاب عائدةً ، ويبدو أنها تفكّر فيما ستقول له ،، وحين وصلت إليه عادت مرة أخرى لتلقي عليه التحية ، فضاق من قطعها لحبل أفكاره واندماجه فيما يقرأ وكان ذلك جليّا على تقاسيم وجهه ،، فبادَرَت هذه المرة دون أن تنتظر منه إجابة لتحيتها فقالت: ” عفوًا أخي الفاضل: هلّا سمحت لي بتقليب هذا الكتاب الذي بين يديك” ؟

وما إن نظر إلي عينيها الفاتنة المتسائلة إلا وكأن رعشةً تهز الأركان قد سرت في جسده وأنعشت قلبه ، فلم يتمالك نفسه وناولها الكتاب مباشرة.

بدأت تقلب الكتاب وتفتش بين صفحاته تبحث عن تلك الورقة المخبأة ، إلا أنها لم تجد شيئًا ، فأعادت له الكتاب وغادرت مسرعة دون أن تسأله عن أي شيء آخر.

علم حينها أنها تلك الفتاة التي يترقب رؤيتها منذ زمن طويل وأنها كانت تبحث عن تلك الرسالة التي وقعت بين يديه وقرأها صباح هذا اليوم ثم احتفظ بها لجمالها في خزانته الخاصة!

 

قلب متسائل!

عادت الفتاة إلى بيت أبيها وأمانها ، وراحت تبحث عن أمها وبيت سرّها ، فإذا بها تجدها نائمة على فراشها فلم يطاوعها قلبها أن تزعجها وتكدر نومها ، ولكن قلب الأم رقيق رهيف الإحساس ، قد شعرت بها وفتحت عينيها ونادتها: “يا صغيرتي ، لقد استيقظت ، أخبريني ما الذي تريدين وماذا يجول بخاطرك؟ ”

التفتت الفتاة وقالت:” أعتذر عن إزعاجك يا أمي .. كنت أود الاطمئنان عليك فحسب” ..

فأجابتها:” يا صغيرتي ، لقد كنتِ طفلةً صغيرةً في حضني ولقد كبرتِ أمام عيني ، وقلبي فيك دليلي لا يخيبني ، أخبريني ما الذي يشغل بالك؟”

اقتربت الفتاة من أمها ثم جلست بجانبها وقالت:”أود أن أسألك سؤالاً يا أمي ، يا ترى ما الذي يجعلنا نهتم بأمر أحدهم”؟

قعدت الأم حينها واستوت على سريرها ثم أجابتها :

” يا ابنتي إن شعور الاهتمام إحدى معجزات الحياة ، حيث أن أرواحنا تستلذ به دون أن تعرف سره أو سببه..

حبيبتي إن قلوبنا حين تلتقي بالغرباء فتحبهم دون سبب واضح وتهتم لأمرهم دون ملل أو تعب ، فهي في غالب الأمر قد وجدت تلك النفس التي ستأنس بقربها وتأتلف معها ..

حبيبتي إن في ائتلاف الأرواح سرّ لا يعلمه إلا خالقها ، وما الأرواح إلا جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف”..

 

 

7 أفكار على ”قصة قصيرة: همس الحب (الجزء الأول)

  1. بطلك أناني! احمل له امتعاضي منه ..
    هل تصدق أنني أنفض كتابي و أقلبه صفحة صفحة مرات عديدة قبل أن أعيره أحداً؟
    غريب كيف أننا نثق بالكتب لتحفظ أسرارنا كصديق وفي، مع أنها مرهونة بحاملها.
    بانتظار مصير الورقة في الجزء الثاني.

    إعجاب

    • حقيقةً نادرًا جدًا ما أعير أحدًا كتبي خصوصًا المفضلة منها ،، وفي حال اضطررت لذلك كثيرًا ما أذهب لأشتري نسخة جديدة من الكتاب لأفتدي بها نسختي الخاصة ..

      الله يسعدك دكتورة سعدت كثيرًا بمرورك وبإذن الله أشارككم الجزء الثاني عمّا قريب ..🙏🏻✨

      Liked by 1 person

  2. كيف لك أن تكتب كل هذا، وبهذِه المرونة والتشكيل؛ السهل المُمتنع!
    … تذكرت كم مره أرفض إعارة كتاب، حتى لا يقرأ أحد النصوص أو شتات الأفكار الذي أدونه بداخله (:!
    ، ننتظر مصير الورقة المفقودة، وما آلت إليه.

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s