الأيام واحدة والأقدار جارية!

قبل ست سنوات حيث كنت في الثامنة عشر من عمري وكنت ذلك الشاب المقبل بعنفوانه وقلقه وطموحه على الدنيا  ، في تلك الأيام حيث كنت على مشارف التخرج من المرحلة الثانوية ما يعني ختام مرحلة التعليم العام والانتقال إلى التعليم العالي!

في تلك الأيام حيث كنت أعيش في وهم مفرط بأنني أمام عقبات أخيرة لن أجد من بعدها أي عقبة أخرى تحمل في طياتها تهديد لأحلامي أو تبديد لأيامي  ..

كنت أظن أنني حين أتجاوز  الثلاث عقبات وهي الأعتى في ذلك الحين ، حيث كانت اختبار القياس واختبار التحصيلي وإحراز معدل منافس في الثانوية العامة ، سأتمكن من تحقيق حلمي بدخول كلية الطب مما يعني أن همومي الكبرى في الحياة ستنتهي ببدء الحياة الجامعية في التخصص الذي طالما حلمت به كثيرًا !

يا لسذاجة فكري ذلك الحين!

لا بأس فقد أخبرونا أن المرحلة الجامعية أجمل بكثير مما قبلها ، وقد صدقوا في ذلك بعض الشيء ، ولكنهم لم يخبرونا أن الحياة بوجهها الحقيقي لن تبدأ إلا مع المرحلة الجامعية!

المهام تتضاعف وتَصْعُب ، والمسؤولية الكاملة تحملها على عاتقك ، ولا سبيل لك إلا أن تصبر وتَتَحامَل نفسك لتكمل المسير!

في تلك الأيام الأخيرة من المرحلة الثانوية كنت بفضل الله قد ضمنت الرقم العالي في المعدل التراكمي للمرحلة الثانوية بالإضافة إلى اختبار قياس ،، ولكني كنت على وَجَلٍ وكان القلق يشتتني ويقض مضجعي بسبب اختبار التحصيلي الذي كان مقرر لنا في ذلك الحين أن نخوضه بعد الانتهاء من الاختبارات النهائية بأسبوع واحد ..

أذكر أن وزني تلك الأيام نزل ما يقارب العشرة كيلوغرامات خلال أشهر معدودة دون مجهود رياضي يذكر .. حيث كان المسبب الأول القلق الشديد وما رافقه من اضطراب في النوم والشهية ..

في ذلك الحين كنت أبذل قصارى جهدي في الاستعداد لتلك العقبة الأخيرة ، وإن صح القول فحلمي في الطب كان متوقفًا على درجة ذلك الاختبار ..

انتهيت من اختباري الأخير في المرحلة الثانوية وبدأت بعده مباشرة في ماراثون قاهر لا راحة قبله ولا راحة تتخلله ،، بذلت طاقتي لأتم استعدادي لخوض ذلك الكابوس الذي يدعى اختبار التحصيلي ..

وبعد أسبوع وفي صباح يوم الاختبار ذهبت أجر خطاي وقلبي يلهج بالدعاء لله أن لا يخيّبني ،،اللهم لا حول ولا قوة لي إلا بك،اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحزن إن شئت سهلًا  ..

بدأت في حل الأسئلة وانتهيت من القسم الأول فالثاني والثالث وأخيرًا وصلت إلى الرابع ، كل شيء حتى ذلك الحين يسير على ما يرام نسبيًا ولكن يبقى الشك أن هناك بعض الأسئلة قد أجبت عليها بشكل خاطئ بسبب تأثير القلق والسرعة!

قلبت الصفحة وبدأت بالقسم الخامس والأخير حيث كان قسم اللغة الإنجليزيةفقد كان في عام تخرجنا ضمن الاختبار ، أما الآن كما بلغني قد تم إلغاؤه،، بدأت حل الأسئلة ولا أخفيكم أنني لا أذكر إطلاقًا أيّ سؤال أجبت عليه حينها وأنا متأكد من صحة الإجابة..

خرجت من الاختبار وأنا فاقد للأمل محبط ، أتمنى لو تبتلعني الأرض وتخلصني من ذلك الشعور ،،فحينها كنت أشعر أن أدائي في الاختبار سيء لأبعد الحدود وأن درجتي حتمًا ستكون متدنية وغير منافسة..

مرت الأيام وأنا لا أزال في حالة من القلق الشديد وفي ترقب لصدور النتائج  ،، وكانت المفاجئة الصادمة حين تم إعلان النتائج ،، أذكر أني فتحت النتيجة في بداية الأمر من هاتفي النقال ( النوكيا أيام عزه )  ولم تصدق عيني النتيجة فذهبت سريعًا لأتأكد ثانيةً من صحتها من خلال جهاز الحاسوب!!

والحمد والشكر أولا وأخيرًا لله الذي بنعمته تتم الصالحات ..

ظننت حينها أنني نجوت من آخر كابوس ولكن سرعان ما لاحت لي غمامة الشيطان تشكك في النفس عزمها وتحاول تبديد أحلامها ، تلك الغمامة كانت توسوس لي بأن هناك أعدادًا كبيرة من الطلبة المتفوقين ولن أستطيع الحصول على مقعد بجانبهم ،، بل أن هناك أيضًا مقابلة شخصية لن أقدر على تجاوزها ،، وغيرها الكثير من الوساوس اللعينة!

حقيقةٌ كانت تلك المرحلة من أسوأ مراحل حياتي بشكل مطلق!

ولكنها بفضل الله ولطفٍ عظيمٍ منه انجلت وها أنا اليوم على مشارف التخرج من كلية الطب حيث الحلم الأول منذ الطفولة …👨🏻‍🎓💝

وما دعاني لكتابة ذلك إلا لأُذكّر نفسي أولًا ثم رفاقي وزملائي بكليات الطب أن ما مَررتُ به من قلق واضطراب حتمًا قد مرّ به الغالبية قبل ست سنوات ..

وما تلك الأيام وما تلك الكوابيس بمختلفةٍ عن صاحبتها التي نعيشها الآن ..

فالأيام واحدة والأقدار جارية ، ولن يُخيّب الله قلبًا اعتمد عليه ولن يضيّع سبحانه أحلامًا سعت في سبيل مرضاته..

وختامًا ،،

كونوا على ثقة بالله وابذلوا كل وسعكم وتيقّنوا أن أحلامكم محققة لا محالة .. فالكريمُ سبحانه بيده مفاتيح السماوات والأرض ولن يعجزه شيء صغر أو كبر ..

11 فكرة على ”الأيام واحدة والأقدار جارية!

  1. أنا الآن يا اخي.. في هذه السنة اعيشُ كُل هذه اللحظات.. رُغم الحمدالله موزونتي العالية.. لكن ما زال شعور القلق يصارعني.. افكر كثيراً كيف سأجتاز السنة الاولى من الجامعه وادخل التخصص الذي اتمناه..

    Liked by 1 person

    • القلق في هذه الفترة اللي تمرين فيها متوقع وطبيعي جدًا ولكن نصيحتي لك أن تجدي السبل التي تناسبك لتتحكمي فيه حتى لا يزيد عن حده الطبيعي فيأثر على نفسيتك وأداءك ،، ودعواتي لك بالتوفيق والله يسهلك هالسنة وتنقبلي في التخصص اللي تحلمين فيه 🙏🏻✨

      إعجاب

  2. القلق في هذه الفترة اللي تمرين فيها متوقع وطبيعي جدًا ولكن نصيحتي لك أن تجدي السبل التي تناسبك لتتحكمي فيه حتى لا يزيد عن حده الطبيعي فيأثر على نفسيتك وأداءك ،، ودعواتي لك بالتوفيق والله يسهلك هالسنة وتنقبلي في التخصص اللي تحلمين فيه 🙏🏻✨

    إعجاب

  3. جدًا جميل وتقريبًا انت قصتك تشبه قصص الكثير وأنا منهم ، انا تخرجت من الثانوي بنسبة مرتفعه جدًا وكانت درجاتي بالقدرات والتحصيلي جيدة ، بس ما جاني قبول بجامعه علمية ، وانا ما احب اضيع سنوات بدون اي هدف ، ف أطريت ادخل ف كلية الحرم بمكة وادرس الشريعه واستفيد من العلم الي فيه ، مع اني اجد صعوبه في التأقلم مع أجواء الشريعه وموادها، بحكم اني درست مواد علمية… فيزياء.. كيمياء ..الخ وكنت حاصل فيها على الدرجات الكاملة، والآن مافي غير اني اثق بالله واحمده على كل شيء لأنه بالنهاية هذا اختبار لشجاعتي وقوة ارادتي اذا احب العلم أو لا ، وشكرًا لك على تدوينك جميل جدًا 💜✨

    Liked by 1 person

    • في أقدار الله حكمة نجهلها الآن ونتبين أثرها عمّا قريب .. بالتأكيد كان الخير لك في ذلك ،، الله يبارك لك في وقتك وجهدك وعلمك ويسخر لك كل طيّب ..

      الله يسعدك شاكر وممتن لك مرورك ومشاركة تجربتك 🙏🏻🌷

      إعجاب

  4. أعجبني مقالك جدا.
    و لكن اصدقك القول ، أن ايام الجامعة مهما بلغت فيها الصعوبات و أيام التوتر و القلق تبقى أجمل ايام العمر .
    الطب كان صعبا بلا شك ، لا شيء سهل حقيقة فكل تخصص يواجه صعوبة من نوع و مستوى ما .
    صراحة فتحت مواجعي فأنا لطالما اردت دراسة إدارة اﻷعمال أو اقلها إدارة المشاريع …
    رغم أنني درست تخصص تكنولوجيا الوسائط المتعددة و الجرافيكس .. لشهادة دبلوم ليس لها أي قيمة في مجتمعنا .. كنت اريد بداية أخذ شهادة البكالوريوس و من ثم قد افكر في أخذ الماجستير ..
    اﻷمر يقتلتي حينما اتذكر اﻷسباب التي منعتني لفعل ما اريده ..
    و كان السبب اﻷول هو المال ..
    لن اسهب اكثر في تعليق و ساكتب عن ذلك في مدونتي بما أنك ذكرتني بأهم ما كنت اريده ..

    صراحة مقالك حيوي جدا بمحتواه و بما خضته ، تهانينا ايها الطبيب الجديد ، شكرا على المقال لقد استمتعت بقراءته

    Liked by 1 person

    • أهلا بك ،،
      بداية شاكر وممتن لمرورك الرائع يا صاحبة الكرز 🙏🏻✨

      أتفق معك أن أيام الجامعة رغم تحدياتها إلا أنها من أجمل الأيام ، ومن يدري فربما أن تحدياتها سبب في جمالها !

      الله يكتب لك تحقيق أحلامك ولا يزال في العمر متسع للبذل والعطاء وخوض التحديات ،، اعقدي العزم واستعيني بالله وتأكدي أن لكل مانعٍ حلّ ،، ودعواتنا لك بأن يوفقك الله ويسهّل أمرك ..

      ودمت بخير وتوفيق ..

      Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s