قصة قصيرة: في سبيل الحب (الجزء الأول)

 

الفصل الأول: البداية..

توجّهَتْ بما تَحملُ في يديها إلى المحاسب لتتفاجأ بنظراتِ ذلك الشاب تحملق من دون انقطاع نحو عينيها الفاتنتين:

نظرت في عينيه ثم صاحت: هيه ما بك؟ ألا تخجل؟!

فيرد الشاب متلعثمًا: عفوًا ما الأمر؟

فتجيبه في حالةٍ من تقطع النفس وعينيها تنظر للأسفل: حاسبني ودع عنك السرحان..

فيرد عليها: عفوا حسابك ألف وخمسمائة ريال..

تقلب حقيبتها فإذا بها لا تجد البطاقة ولا تجد سوى ورقة واحدة من فئة المائة ريال!

فتحدث نفسها محرجة ماذا أفعل ، وماذا أقول له وأنا للتوّ صرخت عليه !!

الشاب: ينظر إليها وقد فهم أنها لم تجد البطاقة ولا يوجد معها ما يكفي من المال.. فأطرق قليلا ثمّ همّ بالكلام ولكنه صمت!

تركت الأكياس على الطاولة وتوجهت نحو الباب مغادرة دون أن تتفوّه بكلمة واحدة ..

 

الشاب ينادي: عفوا ،، يا سيدتي ،، يا سيدتي ،، أتسمعينني ؟!

حينها وقفت ولكن لم تلتفت ،، فأجابت بخجل “عفوًا لا أملك المال الآن ، سأعود لاحقًا لأدفع الحساب وآخذ الأكياس” ..

الشاب في نبرةٍ مترددة وصوت مرتفع يرد عليها: توقفي يا سيدتي وخذي الأكياس وعودي بالمال إليّ في وقت لاحق ..

عادت والخجل يغطيها فأخذت الأكياس كأنما تختطفها دون أن ترفع عينيها من الأرض وغادرت مسرعة!

تلك هي ندى التي تعيش في القصر المعروف بقصر الأمل في مدينة الدمام وهو من أقدم قصور أبيها وأجملها والذي يطل على شاطئ البحر وتحيط به الحدائق الغناء .. تلك هي ندى البنت المدللة التي عاشت وترعرعت مترفةً في قصر والدها حتى تجاوزت العشرين من عمرها ..

الفصل الثاني: في القصر..

وصلت ندى لغرفتها ورمت الأكياس على الأرض وصاحت ” ربّاه ،، ما هذا ،، ما الذي يحدث وما الذي حصل!” حقّا لا أفهم شيئًا..

أخذت حقيبتها تقلبها فإذا بها تجد البطاقة في الموضع الذي تضعها فيه دائمًا ،، أخرجتها وتأملتها وتمتمت ” ربّاه ما الذي يحصل؟ لماذا لم أشاهدها ذلك الوقت بالرغم من أني بحثت عنها جيدًا ؟! ”

تناولت كأسا من الماء البارد وجلست على حافة الطاولة وأطرقت تحدث نفسها ،، يا تُرى من ذلك الشاب وما هي قصته ؟ يا ترى لم ناداني لآخذ الأكياس دون أن يعرفني أو يتأكد بأني سأعود له بالمال في وقت آخر!

وأنا ماذا حدث لي .. لماذا وكأني أعرفه من قبل وفجأة لم استطع الكلام ولماذا ارتبكت ولماذا زادت نبضات قلبي بشكل متسارع حتى خفت أن أسقط مغشيّا عليّ!

مرّت يومان وحال ندى في شرودٍ دائم ،، تُفكرُ في ذلك الموقف وفي أمر الشاب العجيب!

وفي اليوم الثالث ذهبت لتعيد له المبلغ وتشكره على ثقته ولتعتذر عن تأخر عودتها ..

وصلت السوق ودخلت إلى ذلك المحل وإذا بها تلمح ذلك الشاب نفسه من بعيد وتتأمله من دون أن يراها ،، فإذا بها تشعر وكأن قلبها ينازع وسط صدرها من شدة انقباضه وانبساطه ..

فحاولت أن تتمالك نفسها ونظرت للأسفل ومشت بخطوات هادئة ومتسارعة نحوه : فقالت له : أنا أتيت قبل ثلاثة أيام واشتريت بعض الملابس ولم أحاسب عليها بعد .. فعذرًا هلّا ذكرتني كم كان حسابي لأدفعه؟

التفت متفاجئا ونظر إليها فإذا به يحس برعدة تسري في جسده وإذا به يحس بنبضات قلبه تتسارع مع كل كلمة يسمعها من فمها .. وأطرق في عينيها محملقًا للمرة الثانية دون شعوره …

أحسّت حينها أنه ليس في شعوره فنادته: “عفوًا يا أخي ، هل أصابك شيء ؟ إنّي أسألك كم بقي عندي من المال لم أدفعه؟  ألم تسمعني؟؟ ”

استعاد شعوره بندائها وتمالك نفسه ،، فأجاب سريعًا ” عفوًا لا أذكر شيء ” هل أنتِ متأكدة مما تقولين؟

أجابت في تعجب: ” ماذا ؟ ما الذي تقوله ؟  ،،،  نعم أنا أتيت إلى هنا قبل أيام وأنت ناديتني حين كنت واقفة عند الباب مغادرة، وقلت لي خذي الأكياس وعودي بالمال في وقت لاحقًا .. ألا تذكر ذلك؟”

أجاب بكلمات متقطعة: عفوًا سيدتي بالتأكيد أنتِ غلطانه وقد أتيتي للمكان الخطأ .. لم يحدث شيئا مما تقولين!

رفعت عينيها للمرة الأولى ونظرت في عينيه مباشرة، تسأل نفسها “هل أنا في حلم أم في حقيقة .. متأكدةٌ أنني رأيت هذا الشاب وأنه هو ذاته من دعاني حينها”..

ولم تستطع أن تتمالك نفسها أكثر فغادرت المكان بخطوات سريعة كالهاربة…

 

وقف الشاب مكانه جامدا لا يدري ما الذي فعله ،، وكيف فعله !!

فشهق وزفر بشدة وهو يسأل نفسه: يا تُرى من هذه الفتاة؟ ولماذا اعتلتني رعشة حين رأيتها وسمعتها؟

وبينما هو يحدث نفسه ويفكر في أمرها ، إذا بها تعود وتفاجئه بصوتها للمرة الثانية فتناديه وتسأله : ما اسمك؟

فأجاب سريعًا: اسمي عمر

وفي تلك الأثناء قطع حديثهم نداء مدير المحل: عمر ، والدتك على الهاتف تتصل بك ..

ذهب ليكلم أمه وبعد انتهاء الاتصال القصير غادر المحل في ربكة وسرعة..

الفصل الثالث: الاتصال المفاجئ ..

وصل البيت فإذا بوالده يشكو من آلام شديدة في الصدر فأخذه للمستشفى القريب من البيت …

الطبيب ينادي عمر ويخبره: “بعد عمل الفحوصات اللازمة اتضح لنا أن والدك في حاجة ماسة لعملية توسيع الشرايين القلبية في أقرب وقت ممكن ،، ولكن هذه العملية لا يمكن إجراؤها سوى في المستشفيات المتقدمة وتكلفتها باهظة الثمن.. سَنُبقي والدك تحت الملاحظة الشديدة خلال هذا اليوم فيما أنت تنظر في الأمر..”

همهم عمر بصوت مسموع وغادر المستشفى..

وبينما هو يقود السيارة عائدًا للبيت كان يفكر في أمر المال الذي سيدفعه من أجل علاج والده!

حدّثَ نفسه هل يبيع سيارته أم يذهب للبنك ويحاول إقناعهم في أخذ قرض بنكي آخر فيزيدُ العناء عليه جرّاءَ الفوائد البنكية المترتبة على ذلك..

وبينما هو في سيل أفكاره يسبح ،،  قطعه اتصال مفاجئ من رقم غير مسجل عنده.. فأجاب فإذا هو صاحب الشقة التي يسكنها مع والديه ، يخاطبه بنبرة عالية وغاضبة ويذكره بأنه متأخر 6 أشهر عن سداد الإيجار ويبلغه أنه سيرفع الإيجار عليه 3 آلاف ريال ، وفي حال تأخر أكثر في سداد المبلغ سيتصل بالشرطة .. ثم أغلق الخط دون خاتمة!

شهق عمر حينها شهقة عميقة ورمى بالجوال على المقعد الذي بجانبه ، وكأن هذا الاتصال قد كان مطرقة إجبار له بالذهاب للبنك ، فالسيارة مهما قلل السماسرة من بخسها حقها لن تفي قيمتها بما يستلزم عليه دفعه!!

ذهب للبنك وبعد إلحاح شديد منه وقبوله لشروطهم الجائرة ، وافق مدير البنك على إقراضه مبلغًا بالكاد يفي بعلاج والده وسداد إيجار البيت..

عاد بعد ذلك مستبشرًا إلى والده في المستشفى وبدأ مع الطبيب المختص إجراءات نقله للمستشفى القريبة المتقدمة ..

ذهب بعد ذلك إلى عمله فإذا بمدير المحل مستاءً ويسأله بنبرة حانقة: هل تصدّقتَ كعادتك بمبلغ 1500 ريال على الزبائن المحتاجين؟

أجابه بتلعثم وخوف: نعم فعلت ذلك وأعدك وعدًا قاطعًا ألا أفعلها مرة أخرى..

فرد عليه: لا أعلم ما الذي يصبرني عليك طوال هذه المدة! واعلم أنني سأخصم هذا المبلغ من مرتبك آخر الشهر.. هل فهمت؟

فأجاب: بالتأكيد فهمت ..

وفي اليوم التالي بينما عمر يزور والده في المستشفى ، أتت ندى مرة أخرى للمحل تسأل عنه فأخبرها المدير أنه مع والده في المستشفى يتابع حالته .. وأنه سيعود قريبًا ..

ولكنها لم تكتفِ بما أخبرها المدير عن عمر بل بادرته بالعديد من الأسئلة التي من خلالها عرفت الكثير عن عمر وأسرته!

فكتبت رسالة قصيرة ووضعتها في ظرف مزخرف وناولته للمدير على أن يسلمه لعمر مباشرةً حين عودته!

الفصل الرابع: الصندوق

استمر عمر يكافح ما بين إتمام ساعات وظيفته والوفاء بحق والده ومتابعته ، وبعد عدة أيام أتم والد عمر العملية وخرج من المستشفى معافًا سالمًا..

وبعدها بأيام قلائل اتصل مندوب البنك بعمر يحذره من التأخر أكثر في سداد المبالغ السابقة والمتراكمة عليه ..

وما إن وصل ذلك اليوم  إلى المحل حتى توجه إلى المدير وكلمه في أمر المبلغ الذي سيخصمه من مرتبه هذا الشهر ،، وكان يترجاه في أن يخصم المبلغ على فترتين كي يستطيع إعطاء البنك بعض المال.. ولكنه أجابه في تهكّمٍ واستنكار:

“ومن قال لك أني سأبقيك للشهر القادم؟ فأنت مطرود بنهاية هذا الشهر ومن الأفضل أن تبحث لك عن وظيفة أخرى من الآن..”

غادر بعد ذلك والهم يملأ صدره ولا شيء أمامه يبدد غمّه!

وما إن وصل إلى بيته ، إذا به يرى الشرطة عند باب البيت تنتظره ، فصاحب البيت قد رفع الشكوى عليه وليس في يده ما يسدد به عُشر المبلغ الذي عليه ..

وفي السجن وصله صندوق.. قيل له أنه من مدير المحل الذي كان يعمل فيه وما إن فتحه حتى وجد المبلغ الزهيد المتبقي من مرتبه الأخير ووجد الظرف المزخرف وسطه كذلك ..

 

فتح الظرف فإذا به يجد ورقتين ، فأخرجهما وفتح الأولى فإذا به يقرأ فيها :

” إليكَ عمر ..

لا أعلم حقيقةً ما تشعر به ، ولكنني أستطيع أن أقرأ مشاعرك في عينيك كما أعلم مشاعري في قلبي ..

إنك وإن لم تجرؤ على الكلام فقد تجرّأتَ وفعلت ..  وأني وإن لم أجرؤ وأتكلم فأنا أحذو حذوك فأفعل ..

فرجائي منك أن تقبل هديتي إليكَ كما قَبلتُ هديتكَ إليّ من قبل .. وكن دائمًا بخير والله يرعاك ..

ندى ”

ضمّ الورق الأولى على صدره وراح يفتح الورقة الأخرى فإذا به يتأملها ويتفاجأ بشيكٍ مالي قيمته 200 ألف ريال!

 

يتبع … لتكملة القصة اضغط بالأسفل على الجزء الثاني 👇🏻

قصة قصيرة: في سبيل الحب ( الجزء الثاني)

5 أفكار على ”قصة قصيرة: في سبيل الحب (الجزء الأول)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s